أما آن له أن يأتي ويُـقَبِّلَ يمناي فقد سئمت العيش دونه ..
• •
• •
قلوبٌ قد قست وتحجَّـرت وعقولٌ لم تعد تعي بأن الجزاء بالمرصاد
واغترت لأنها لم ترى العقوبه فظنت أنها قد سُومِحت ..
أولائك العاقون أصبحوا رجالاً ونساءً
ونسوا أنَّهم كانو ومازالوا قبل ذلك أبناءً .
لا أُخفيكم علماً بأنني كنتُ أعتقد أنَّ مانراه من أقصى درجاتِ العنف ليسَ إلَّا نِتاجَ مُخيلةٍ
عُرِضَت على الشاشاتِ لجذب المشاهدين
لا أن تحكي واقعاً
إلى أن شاهدتُ برنامجاً وثائقياً حكى قصصاً تقشعر لها الأبدان وتبكي لها القلوب..
أبٌ يُضرب ويُلقى في البحر
وأُمٌ تُرمى في أحضانِ دارِ المُسنين بلا رفيق ولا صديق
ووو ...و لو أمكنني لسردتُ قصصاً وقصص .
لكنني ساختصرُ حديثي بقصتين لعلهما تُحرَّكانِ ماسكن في تلك القلوب المتحجره ..!
قصتان إحداهما حدثت في زمنِ السلف والأخرى في زمنِ الرَّسول -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-
وجدتُ فيها عقولاً سعت لِلجِنان بعملها وغاب عنها ماكان أولى
وعقولاً وعت بقدرِ ومنزلةِ أهلها ..
حيوه بن شريك يجلسُ في المسجد يُعلِّـمُ النَّاسَ ويُدَرِّس و الطُلَّابُ يأتون إليه من كلِّ مكان.
وكانت لهُ أُمٌّ خرقاء بعقلها شيء. كانت تُطِلُّ عليهِ من نافذة المسجد، ثُمَّ تصرخ وتقول: يا حيوه.
قال: لبَّيك يا أُمَّاه. قالت: يا حيوه، قُمْ فألقي الشعير للدجاج.اقطع درسك،
واذهب إلى حظيرة الدجاج واخرج الشعير من كيسه وألقه للدجاج، ثم عد إلى درسك.
فكان يلتفتُ إلى طلابه
ويقول هذا واجبٌ وتدريسكم نفل
ثُمَّ يقوم من مكانه ويذهب بنفسه إلى حظيرة الدجاج ويُخرِجُ الشَّعيرَ مِن كيسه ثُمَّ يَنثُرهُ لِلدَّجاجِ ثُمَّ يعودُ إلى درسه
.........................................
وبما معنى الحديث : كان هنالك شابٌّ في زمن الرَّسول صلى الله عليه وسلم
كثيرُ الإجتهاد في طاعةِ الله في الصَّلاةِ والصَّوم والصدقة ومضى إليهِ جمعٌ من الصَّحابةِ عندما اشتدَّ مَرضُه
لتلقينهِ الشهادة. فجعلوا يُلَـقِّـنونه وماكان يَنطِـقُ بها فأُخبِرَ رسولُ اللهِ بذلك فعَلِمَ بوجودِ أُمٍّ له
فسألها كيفَ كان حالُ وَلدِكِ علقمة ؟ قالت: يا رسول الله كثيرَ الصلاةِ ، كثيرَ الصيامِ ، كثيرَ الصدقة .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فما حالك ؟ قالت : يا رسول الله إنِّي عليهِ ساخطة ،
قال ولمَ ؟ قالت: يا رسول الله كان يُؤثر عليًّ زوجته ، ويعصيني ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ سخط أُمِّ علقمة حَجَبَ لسانَ علقمةَ عنِ الشهادة ،
ثُمَّ قال: يا بلال انطلق واجمع لي حطباً كثيراً ، قالت : يا رسول الله وما تصنع ؟ قال: أحرِقُهُ بِالنَّارِ بين يديكِ ،
قالت: يا رسول الله ولدي لا يَحتَمِلُ قلبي أن تَحرِقه بالنَّارِ بين يدي ،
قال : يا أُمَّ علقمة، عذابُ اللهِ أشدُّ وأبقى ، فإنْ سَرَّكِ أنْ يغفِرَ اللهُ له فارضي عنه ،
فوالَّذي نفسي بيده لا ينتفعُ علقمةُ بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته ما دُمتِ عليهِ ساخطة ..
وقد قرأتُ في تفسير ابنِ كثيرٍ أنَّ ابن عبَّاسِ رضيُ اللهُ عنه سُئلَ: يا ابنَ عبَّاسٍ، يقولُ اللهُ تعالى (وَ بِالوَالِدينِ إحْسَانَاً)
فما معنى الإحسان إلى الوالدين؟. قال: الإحسانُ إلى الوالدين كثيرٌ ما أستطيع أنْ أصِفه. قيلَ له: فما معنى العُقوق؟
.فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: لو نفضَ ثوبهُ بِجانبِ والِدهِ فَتَطايَرَ الغُبَارُ على أبِيه، كُـتِبَ عِندَ اللهِ عَاقاً.
خِتاماً، بعد كُلـِّ ماكتبته فإنَّني أُقدِّم ما سَيُكتَبُ نُصحاً لِنفسي قَبلَ الآخرين
فبعد حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضِيَ اللهُ عنه- لا أعتقِدُ بأنَّنا نخلو من فِعلٍ أو قولٍ كُتِبنا بِسببه عاقَّين
واتَّضحَ لي بأنَّ جَنـَّة المُصَلِّينَ وَ المُجْتهِدينَ مُعلَّقةٌ بيدِ أُمٍّ ترضى وَ والدٍ يَسعدُ بابنه
و أنَّ الجزاء من جِنسِ العَمل وإن تأخرت العقوبة فهي قادمة
(( من يعمل سوءاً يُجزَ بِه ))
يونُسُ عليه السلام خرجَ عن قومِهِ بغيرِ إذنٍ فالتقَمهُ الحُوت
وأيوبٌ عليهِ السلام قصَّرَ في الإنكارِ على ملِكٍ ظالم لأجلِ خيلٍ كانت في ناحيته فابتُلِي
وقد ذُكِر أنَّ بعضَ العَاقِّينَ ضَربَ أباهُ و سَحَبهُ إلى مكانٍ فقالَ لهُ الأب : حَسبك، إلى هَهُنا سحبتُ أبي
ولنتذكر دائماً ...
إن طالتِ المُدَّه وَلمْ نسعَ لِلتَّوبةِ ثَبتتِ العُقوبةُ وَ وقعَ الجَزاء ...
وإنْ تعدَّدتْ أسبابُ العُقوقِ فمازلنا نملكُ عُقولاً تُرشِدُنا لِلصَّواب ...